سبيس إكس تشتري «القطعة الأخيرة من الأحجية»: 8 مليارات دولار للطيف المنخفض وزلزال يضرب أسهم الاتصالات
استحوذت سبيس إكس على محفظة «غرين مانجمنت» الوطنية من الطيف المنخفض عند 800 ميغاهرتز في صفقة تُقدَّر بنحو 8 مليارات دولار، تمهيداً لإطلاق «ستارلينك موبايل» في 2027. وردّ السوق كان قاسياً: «تي-موبايل» هوت 13.2% وتراجعت أسهم الاتصالات الأوروبية جماعياً.
<p>في خطوة وصفها إيلون ماسك بأنها «القطعة الأخيرة والحاسمة في أحجية» التغطية الشاملة، أعلنت سبيس إكس في الثامن من أكتوبر التوصل إلى اتفاق مع شركة «غرين مانجمنت» للاستحواذ على محفظتها الوطنية من الطيف الترددي المنخفض عند 800 ميغاهرتز، بما يصل إلى 14 ميغاهرتز من النطاق المزدوج. الصفقة، التي قدّرت صحيفة وول ستريت جورنال قيمتها بنحو 8 مليارات دولار نقلاً عن مصادر مطلعة — إذ لم تكشف الشركتان رسمياً عن السعر — لا تزال بانتظار موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية. لكن الرسالة الاستراتيجية واضحة: سبيس إكس لا تريد أن تبقى مجرد مزوّد إنترنت فضائي، بل تطمح لأن تصبح «ستارلينك موبايل» مشغّلاً رئيسياً للهاتف المحمول في الولايات المتحدة.</p><p>وليست هذه أول غزوة لسبيس إكس في سوق الطيف الترددي. فالشركة كانت قد استحوذت في وقت سابق على 65 ميغاهرتز من الطيف من شركة إكوستار في صفقتين بلغت قيمتهما الإجمالية 19.6 مليار دولار. ومع الصفقة الجديدة، تكتمل لدى الشركة ترسانة ترددية تتيح لها تقديم خدمة الهاتف المحمول عبر الأقمار الصناعية مباشرة إلى الهواتف العادية، دون الحاجة إلى أبراج أرضية. وتستهدف الشركة بدء التشغيل التجاري لخدمة «ستارلينك موبايل» في عام 2027، وهو موعد لم يعد بعيداً في حسابات شركات الاتصالات القائمة.</p><h3>يوم أسود لشركات الاتصالات في وول ستريت وأوروبا</h3><p>ردّ فعل السوق في التاسع من أكتوبر كان عنيفاً وصريحاً. في وول ستريت، هوى سهم «تي-موبايل يو إس» بنسبة 13.2% خلال الجلسة، مسجلاً أدنى مستوياته في 33 شهراً، فيما تراجع سهما «إيه تي آند تي» و«فيرايزون» بنحو 10% لكل منهما، لتتصدر الشركات الثلاث قائمة أكبر الخاسرين في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لذلك اليوم. وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، انخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي لقطاع الاتصالات بنسبة 2.9%، بقيادة دويتشه تيليكوم التي خسرت 8%، وفودافون 4.5%، وأورانج 3.4%، وتيليفونيكا 3.3%. في المقابل، ارتفع سهم سبيس إكس — المدرج منذ يونيو الماضي تحت الرمز SPCX — بنسبة 3.6%، في إشارة إلى أن المستثمرين يرون في الصفقة مكسباً صافياً للشركة الفضائية.</p><p>ويرى محللون أن الذعر مبرر جزئياً. ففي مذكرة حديثة، حذّرت «إيفركور آي إس آي» من أن استحواذ سبيس إكس على الطيف المنخفض يُضعف «الخندق الدفاعي» التقليدي لشركات الاتصالات، الذي طالما اعتمد على ندرة الترددات المنخفضة وقدرتها الفائقة على الانتشار وتغطية المساحات الواسعة. أما «مورغان ستانلي» فذهبت إلى أن التهديد سيظهر أولاً في الأسواق الريفية والمناطق نائية التغطية، حيث تتفوق الأقمار الصناعية بطبيعتها، قبل أن يمتد تدريجياً إلى المدن. وبينما تؤكد شركات الاتصالات القائمة أن الطريق إلى مشغّل متكامل ما زال طويلاً أمام سبيس إكس، فإن السوق اختار أن يصدّق التهديد لا التطمينات.</p><h3>معركة الطيف: من يحتكر الترددات المنخفضة؟</h3><p>لفهم حجم الزلزال، لا بد من فهم طبيعة السلعة المتنازع عليها. الطيف الترددي المنخفض، وتحديداً عند 800 ميغاهرتز، هو «العقار الفاخر» في عالم الاتصالات: موجاته تخترق الجدران وتنتشر لمسافات طويلة بتكلفة بنية تحتية أقل بكثير من الترددات العالية. ولهذا ظلّت شركات الاتصالات الكبرى تدفع مليارات الدولارات في مزادات الحكومة الأمريكية للفوز بهذه الترددات، معتبرة إياها حصنها المنيع ضد أي منافس جديد. أن تتمكن سبيس إكس من تجميع محفظة وطنية من هذا الطيف عبر صفقات خاصة — بعيداً عن المزادات العلنية — يعني عملياً أنها اشترت تذكرة الدخول إلى النادي المغلق من الباب الخلفي.</p><p>ويضيف ماسك بُعداً شخصياً للمعركة بمنشوره على منصة إكس، حيث وصف الصفقة بأنها القطعة الأخيرة في أحجية تحقيق تغطية الهاتف المحمول لكامل الأراضي الأمريكية. الرسالة موجهة بوضوح إلى المستثمرين والمنظمين معاً: سبيس إكس لم تعد شركة صواريخ تبيع الإنترنت الفضائي للمناطق النائية، بل مشروع اتصالات متكامل يستهدف قلب سوق تبلغ قيمته مئات المليارات من الدولارات سنوياً. ويبقى السؤال المفتوح: هل توافق لجنة الاتصالات الفيدرالية على صفقة بهذا الحجم لشركة يملكها أغنى رجل في العالم وتثير أصلاً جدلاً تنظيمياً واسعاً؟</p><p>وتجدر الإشارة إلى أن الصفقة ليست محسومة بعد من الناحية التنظيمية. فانتقال الطيف الترددي بين الشركات في الولايات المتحدة يتطلب موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية، وهي عملية قد تستغرق شهوراً وتخضع لمراجعة دقيقة، خصوصاً حين يكون المشتري شركة بحجم سبيس إكس وطموحاتها المعلنة. ويراقب المستثمرون أيضاً الهيكل التمويلي للصفقة: فبعد إنفاق 19.6 مليار دولار على طيف إكوستار، تضاف 8 مليارات جديدة إلى فاتورة بناء إمبراطورية الاتصالات الفضائية، في وقت تستعد فيه الشركة لاستثمارات ضخمة في الجيل الجديد من أقمار ستارلينك. غير أن السوق، كما بدا من حركة الأسهم، يراهن على أن العائد الاستراتيجي — بوابة الدخول إلى سوق الهاتف المحمول الأمريكي — يبرر الفاتورة.</p><h3>نظرة خليجية: هل يصل الزلزال إلى المنطقة؟</h3><p>بالنسبة لقارئ في الخليج، قد تبدو المعركة أمريكية خالصة، لكن أصداءها ستبلغ المنطقة عاجلاً أم آجلاً. فشركات مثل «إي آند» و«إس تي سي» و«أوريدو» تراقب عن كثب تطور تقنية الاتصال المباشر بين الأقمار الصناعية والهواتف العادية (Direct-to-Device)، لأنها تهدد في جوهرها نموذج الأعمال القائم على احتكار البنية التحتية الأرضية. صحيح أن الأسواق الخليجية تتميز بكثافة سكانية عالية وتغطية أرضية ممتازة تجعل التهديد الفوري محدوداً، لكن المناطق الصحراوية الواسعة وخطوط الملاحة البحرية وحقول النفط النائية تمثّل حالات استخدام مثالية للاتصال الفضائي المباشر. ومن يستعد مبكراً — عبر الشراكات أو الاستثمار في القدرات الفضائية — سيكون في موقع أفضل عندما ينتقل النموذج من الريف الأمريكي إلى صحراء الخليج.</p><p>الخلاصة أن صفقة الثمانية مليارات دولار ليست مجرد عملية استحواذ على ترددات، بل إعلان عن عصر جديد تتداخل فيه حدود الفضاء والأرض في سوق الاتصالات. شركات الاتصالات التقليدية التي بنت إمبراطورياتها على ندرة الطيف تجد نفسها فجأة أمام منافس يملك سماءً كاملة. ومن يدري؟ فبعد سنوات من الآن، قد يبدو مشهد اليوم — حين هوت أسهم عمالقة الاتصالات دفعة واحدة — اللحظة التي أدرك فيها السوق أن قواعد اللعبة تغيّرت فعلاً، لا مجرد تقلب عابر في يوم تداول متوتر.</p>