المالية

اختبار الانهيار المصرفي: أغلب الاقتصادات الكبرى غير جاهزة... فأين تقف بنوك الخليج؟

حذّر مجلس الاستقرار المالي من أن كثيراً من الدول الكبرى تفتقر إلى التمويل الطارئ الكافي لمواجهة انهيار مصرفي كبير. اجتاز الاختبار الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وهونغ كونغ فقط، بينما أخفق الاتحاد الأوروبي والصين، ولا تملك الهند والأرجنتين أي ضمانات على الإطلاق.

<p>وجّه مجلس الاستقرار المالي، الجهة الدولية المكلفة بمراقبة مخاطر النظام المالي العالمي، يوم الجمعة تحذيراً صريحاً: كثير من دول العالم غير مهيأة تماماً للتعامل مع انهيار مصرفي كبير، وذلك بعد نحو عقدين على الأزمة المالية العالمية التي علّمت العالم درس «الأكبر من أن يفشل». التقرير الذي فحص 19 اقتصاداً رئيسياً كشف فجوة مقلقة بين الدروس المستفادة على الورق والجاهزية الفعلية على الأرض، في وقت تتعرض فيه الأسواق لضغوط متزامنة من أسعار الفائدة المرتفعة وتوترات سوق السندات وارتفاع أسعار الطاقة.</p> <h3>ماذا قال التقرير بالأرقام؟</h3> <p>فحص المجلس ما إذا كانت الاقتصادات الكبرى تملك تمويلاً طارئاً كافياً للتعامل مع فشل أحد بنوكها الكبرى، والنتيجة كانت صادمة: أربع جهات فقط اجتازت الاختبار بشكل كامل، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وهونغ كونغ. أما الاتحاد الأوروبي والصين — وهما من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم — فقد جاءت شبكات الأمان لديهما دون المستوى المطلوب، بينما لا تملك الهند والأرجنتين أي ضمانات على الإطلاق. وبشكل عام، أقل من نصف الدول المشمولة بالفحص لديها خطط تمويل طارئ تتسم بالوضوح والحجم الكافي وسرعة الاستخدام. ودعا المجلس إلى تحرك عاجل من الدول المتأخرة، محذراً من أن غياب التمويل الجاهز قد يحوّل أزمة مصرفية قابلة للاحتواء إلى عدوى نظامية.</p> <h3>درس «كريدي سويس» الذي لم يُستوعَب</h3> <p>المفارقة الأكثر إثارة للقلق في التقرير تتعلق بسويسرا نفسها. ففي مارس 2023، عندما أوشك بنك «كريدي سويس» على الانهيار، تدخّل البنك المركزي السويسري بسرعة قياسية وضخّ سيولة تجاوزت 180 مليار دولار لإبقاء البنك واقفاً حتى أتمّ بنك «يو بي إس» الاستحواذ عليه. ورغم نجاح عملية الإنقاذ، صنّف مجلس الاستقرار المالي شبكة الأمان السويسرية بأنها «غير ممتثلة بشكل جوهري» لمعاييره. الرسالة هنا عميقة: النجاة من الأزمة الماضية لا تعني الجاهزية للأزمة المقبلة. فالإنقاذ السويسري اعتمد على قرارات استثنائية وسريعة أكثر من اعتماده على آليات مؤسسية جاهزة ومُختبَرة، وهذا بالضبط ما يقيسه المجلس ويجده ناقصاً في معظم دول العالم.</p> <h3>لماذا يأتي التحذير الآن؟</h3> <p>توقيت التقرير ليس بريئاً؛ فالأسواق العالمية تمر بمرحلة ضغط نادرة التزامن. عوائد سندات الخزانة الأمريكية سجلت أعلى مستوياتها في 24 عاماً، وارتفعت «علاوة الأجل» — التي تعكس قلق المستثمرين beyond أسعار الفائدة — إلى أعلى مستوى في 12 عاماً. في الوقت نفسه، قفزت أسعار خام برنت فوق 103 دولارات للبرميل وسط مخاوف من اتساع الحرب في الشرق الأوسط، ما يغذي مخاوف التضخم ويدفع التوقعات نحو مزيد من التشدد النقدي. هذا المزيج من الفائدة المرتفعة وتوترات السيولة يضغط على الميزانيات العمومية للبنوك حول العالم، ويرفع كلفة أي تعثر محتمل. بكلمات أخرى: المجلس يحذر من ضعف شبكات الأمان في اللحظة التي تزداد فيها احتمالية الحاجة إليها.</p> <h3>الخطر القادم من الظل: الائتمان الخاص</h3> <p>لم يكتفِ التقرير بتقييم البنوك التقليدية، بل سلّط الضوء على الخطر المتنامي في الظل: صناعة الائتمان الخاص التي بلغ حجمها نحو تريليوني دولار، حيث تُقرض الصناديق الاستثمارية الشركات مباشرة بدل البنوك. الشهر الماضي، قالت الجهة الرقابية على الشركات في أستراليا إن القطاع «تجاوز مرحلة التحذيرات» وطالبته بالاستعداد لحملة صارمة على التقييمات والرسوم. وكان المجلس نفسه قد دعا في مايو الماضي إلى تشديد مراقبة هذا القطاع. المشكلة أن المخاطر لا تبقى في حقلها: الائتمان الخاص يتشابك بشكل متزايد مع البنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد ومنصات الاستثمار للأفراد، ما يعني أن تعثراً في هذا القطاع الظليل قد ينتقل بسرعة إلى قلب النظام المصرفي الرسمي — وهو سيناريو لا تملك معظم الدول أدوات جاهزة للتعامل معه.</p> <h3>أين تقف بنوك الخليج من كل هذا؟</h3> <p>هنا الخبر الجيد للمنطقة: تُعد بنوك الخليج من الأعلى رسملة وسيولة على مستوى العالم، وتتمتع بدعم سيادي ضمني قوي يجعل سيناريو الانهيار المفاجئ بعيداً. البنوك الإماراتية والسعودية والقطرية اجتازت اختبارات الضغط المتتالية بنجاح، وتحتفظ بنسب كفاية رأس مال مريحة وهوامش سيولة قوية. لكن هذا لا يعني الاطمئنان الكامل؛ فبنوك المنطقة منخرطة بشكل متزايد في أسواق الائتمان الخاص العالمية عبر صناديقها السيادية وأذرعها الاستثمارية، والتشابك مع النظام المالي العالمي يعني أن عدوى نظامية — إن وقعت — ستصل عبر قنوات غير مباشرة. الدرس الخليجي من تقرير المجلس: القوة الرأسمالية وحدها لا تكفي، والمطلوب آليات طوارئ واضحة ومُختبَرة، لا مجرد ملاءة مالية مريحة.</p> <p>ولفهم حجم الفجوة، يكفي التذكير بأن معايير مجلس الاستقرار المالي وُضعت أصلاً بعد أزمة 2008 لمنع تكرار سيناريو دافعي الضرائب الذين يتحملون فاتورة إنقاذ البنوك. الفكرة الجوهرية هي أن يكون لدى كل دولة «خطة جنازة» مصرفية جاهزة: من يدفع، وبأي سرعة، وبأي آلية قانونية. لكن التقرير الأخير يظهر أن كثيراً من الدول اكتفت بتبني المعايير على الورق دون بناء القدرات التشغيلية الفعلية، من صناديق تسوية ممولة مسبقاً إلى أطر قانونية تسمح بالتدخل السريع في عطلة نهاية الأسبوع — وهي النافذة الزمنية الحرجة التي تُحسم فيها مصائر البنوك عادة. هذه الفجوة بين التشريع والتطبيق هي أخطر ما في التقرير، لأنها تعني أن الثقة المعلنة بالنظام قد تكون أكبر من متانته الحقيقية.</p><h3>الخلاصة: جرس إنذار لا نبوءة انهيار</h3> <p>تقرير مجلس الاستقرار المالي ليس تنبؤاً بانهيار مصرفي وشيك، بل جرس إنذار مبكر في لحظة ضغط عالمي. الرسالة للمستثمرين واضحة: في بيئة الفائدة المرتفعة والسيولة المتوترة، تصبح جودة المخصصات وكفاية السيولة لدى البنوك معيار التفاضل الأول، لا نمو الأرباح وحده. ولصناع السياسة في المنطقة، التقرير فرصة لمراجعة خطط الطوارئ المصرفية قبل الحاجة إليها لا بعدها — فالتاريخ المالي يعلّم أن شبكات الأمان لا تُبنى أثناء السقوط. الخليج اليوم في موقع قوة نسبية، والحكمة تقتضي استثمار هذه القوة في التحصين لا في التراخي.</p>

عودة · واحة المشاريع