بنوك وول ستريت تدخل “غرفة الفحص” اليوم: أرباح قوية تحت ظل عائد لم يُرَ منذ 2002
جيه بي مورغان وغولدمان ساكس وسيتي غروب وويلز فارغو تفتتح موسم نتائج الربع الثالث اليوم قبل الافتتاح، وسط توقعات بنمو الأرباح حتى 20% للبنوك الكبرى. لكن مؤشر البنوك خسر 13% من ذروة أغسطس، وعائد العشر سنوات يلامس 5.35%… فأي رسالة ستحمل النتائج لأسواق الخليج؟
<h3>أربعة عمالقة يفتتحون الموسم قبل جرس الافتتاح</h3><p>يبدأ اليوم الثلاثاء (13 أكتوبر) الموسم غير الرسمي لنتائج الربع الثالث، وتتولى المهمة كالعادة أكبر المؤسسات المالية في البلاد: جيه بي مورغان تشيس وغولدمان ساكس وسيتي غروب وويلز فارغو، التي تعلن جميعها قبل افتتاح السوق، وينضم إليها لاحقاً بنك أوف أمريكا ومورغان ستانلي غداً الأربعاء. التوقعات مرتفعة على الورق: تقديرات LSEG حتى السابع من أكتوبر تتوقع لجيه بي مورغان ربحية 5.94 دولار للسهم مقابل 5.07 دولار قبل عام (بزيادة 17.2%)، ولسيتي غروب 2.41 مقابل 2.24 (بزيادة 7.6%)، ولويلز فارغو 1.85 مقابل 1.66 (بزيادة 11.4%)، ولغولدمان ساكس 12.44 مقابل 12.25 (بزيادة 1.6%). وعلى مستوى السوق ككل، تتوقع بلومبرغ إنتليجنس نمو أرباح شركات S&P 500 بنحو 25% على أساس سنوي، ارتفاعاً من 22% كانت متوقعة في يوليو. كما تعلن اليوم يونايتد هيلث ودومينوز بيتزا وألبرتسونز، لكن الأنظار كلها مسلطة على البنوك: فهي ليست مجرد شركات تعلن أرباحها، بل “المختبر” الذي تُقاس فيه صحة الاقتصاد الأمريكي، من الإقراض إلى الصفقات إلى إنفاق المستهلك. وتوقيت الإعلان قبل الافتتاح ليس تفصيلاً شكلياً: فالسوق سيتلقى الجرعة الأولى من البيانات قبل أن يفتح، وستحدد نبرة المؤتمرات الهاتفية الصباحية اتجاه التداول لبقية اليوم.</p><h3>اللغز الذي يحيّر وول ستريت: أرباح تصعد وأسهم تهبط</h3><p>المفارقة التي ستطارد هذا الموسم أن الأرقام القوية تأتي في وقت تتراجع فيه أسهم البنوك نفسها. فقد خسر مؤشر KBW للبنوك نحو 13% من ذروة إغلاقه في أغسطس، وتراجع 6% خلال الربع الثالث ككل، رغم أن أرباح أكبر البنوك مرشحة للارتفاع حتى 20% عن العام الماضي وفق تقديرات رويترز، مع إيرادات أعلى بكثير من الاستثمار المصرفي والتداول ودون مؤشرات على تدهور جودة الائتمان. السوق إذن “يصوّت بأقدامه” معبّراً عن قلق واحد: هل بيئة الفائدة المرتفعة توسّع صافي دخل الفوائد للبنوك، أم ترتد عليها عبر ارتفاع تكلفة الودائع وتباطؤ الاكتتاب والتداول ومخاطر الائتمان؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه النتائج بالأرقام لا بالتصريحات، ولهذا يصفها المحللون بأنها “أول إجابة مدعومة بالبيانات” عن أثر موجة العوائد المرتفعة. فالمستثمرون لا يشترون الماضي — مهما كان مشرقاً — بل يشترون القدرة على تكراره في بيئة تمويلية مختلفة تماماً.</p><h3>عائد 5.35%: أخطر متغير في المعادلة</h3><p>جوهر القلق يكمن في سوق السندات: عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات يقترب من 5.35%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002. هذا المستوى يضغط على البنوك من جهتين: فهو من جهة يرفع تكلفة التمويل ويهدد بتآكل هوامش صافي دخل الفوائد إذا اضطرت البنوك لدفع المزيد للمودعين الباحثين عن عوائد أعلى، ومن جهة أخرى أبطأ نشاط أسواق رأس المال الذي ازدهر في بداية العام ثم خبا مع صعود العوائد. النقطة المضيئة أن المحللين لا يتوقعون تكرار سيناريو أزمة 2023: فمعظم البنوك خفّضت مدة محافظها الاستثمارية وأدارت مخاطر الخسائر غير المحققة في الأوراق المالية. أما جودة الائتمان، فالعين على القروض العقارية التجارية: نسبة القروض “الخاضعة لخدمة خاصة” في الأوراق المورّقة بلغت 12% وفق دويتشه بنك، مقابل 4-5% فقط للقروض المدرجة في ميزانيات البنوك نفسها. الرسالة: دورة ائتمانية موجودة فعلاً، لكنها — حتى الآن — تحت السيطرة، والبنوك الكبرى أجرت اختبارات ضغط على محافظها العقارية منذ سنوات. أما صافي دخل الفوائد، فالتوقعات تشير إلى استمرار التوسع: تقديرات فاكتست تتوقع لجيه بي مورغان صافي دخل فوائد للربع الثالث عند 26.88 مليار دولار، بزيادة 12.2% على أساس سنوي، وهو ما يعني أن ارتفاع العوائد ما زال يصب في صالح الإيرادات — إلى أن تبدأ تكلفة الودائع في التهام هذه المكاسب.</p><h3>ماذا تعني هذه الأرقام لأسواق الخليج؟</h3><p>لقارئ في دبي، السؤال العملي هو: كيف تنعكس هذه المعادلة على منطقتنا؟ القناة الأولى هي النفط: خام برنت يتداول قرب 105 دولارات، وهو مستوى يدعم التدفقات الدولارية إلى الخليج ويعزز سيولة المصارف المحلية ويرفع شهية الإنفاق الحكومي، لكنه في الوقت نفسه يغذي التضخم العالمي الذي يبقي الفائدة الأمريكية مرتفعة — أي أن الخليج يستفيد ويدفع الثمن من الجيب نفسه. والقناة الثانية هي الدولار والسيولة: فكلما طال أمد الفائدة المرتفعة، ازدادت تكلفة التمويل بالدولار التي تعتمد عليها الشركات الخليجية في إصدارات الصكوك والسندات. هذا الأسبوع يحمل محطتين إضافيتين: رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش يتحدث الخميس في اجتماعات صندوق النقد الدولي، واجتماع الفيدرالي في 28 أكتوبر الذي تسعّر الأسواق احتمال رفع الفائدة فيه بنحو 21%. بعبارة أخرى: نتائج البنوك اليوم ليست حدثاً أمريكياً خالصاً، بل أول فصل في قصة ستحدد تكلفة المال في الخليج خلال الربع الأخير من العام، من تمويل المشاريع العقارية في دبي إلى إصدارات الدين السيادية في المنطقة.</p><h3>ما الذي يجب مراقبته فعلاً؟</h3><p>المستثمر الذكي لن يقرأ سطر الأرباح وحده، بل التوجيهات المصاحبة: هل ينمو الإقراض فعلاً أم أن الطلب يتباطأ تحت وطأة الفائدة؟ هل تكلفة الودائع تحت السيطرة أم بدأت تلتهم هوامش الفائدة؟ وهل خط أنابيب صفقات أسواق رأس المال ما زال قوياً أم أن العوائد المرتفعة جمّدته؟ إجابات هذه الأسئلة هي ما سيحدد اتجاه أسهم البنوك — ومعها شهية المخاطرة العالمية — خلال الأسابيع المقبلة. وبالنسبة لأسواق الخليج، المعادلة الذهبية تبقى: نفط قوي زائد فوائد مستقرة يساوي بيئة مثالية؛ أما نفط قوي زائد فوائد صاعدة بلا سقف، فهي وصفة لتقلبات لا يريدها أحد، خاصة مع دخولنا الربع الأخير الذي يشهد عادة ذروة الإصدارات والتمويل.</p><p>الخلاصة أن موسم النتائج الذي يبدأ اليوم ليس اختباراً لأرباح البنوك — فهي شبه مضمونة — بل اختباراً لقدرة الاقتصاد على التعايش مع فائدة لم يعرفها جيل كامل من المستثمرين. ومن يفهم إجابات هذا الأسبوع مبكراً، سيفهم اتجاه السيولة في الخليج قبل نهاية العام.</p>